عبد الملك الجويني
476
نهاية المطلب في دراية المذهب
وقد نجزت معاقد المذهب في الأمان . ولها مسائل ستأتي في فصل العلْج ، على أثر هذا ، إن شاء الله تعالى . 11364 - ومما أغفلناه ، ونرسمه [ فرعاً ] ( 1 ) : الأسير إذا أمّن كافراً ، فهل يصح أمانه أم لا ؟ فيه خلاف بين الأصحاب . والوجه أن نقول : إن كان مكرهاً على الأمان ، فهو مردود ، وإن كان مختاراً في إنشاء الأمان ، فمن أصحابنا من قال : يصح ذلك منه ؛ فإنه مسلم مكلف أنشأ الأمان اختياراً ، ولم يجرّ ضرراً ، فيصحّ . ومن أصحابنا من قال : لا يصح ، فإن شرط الأمان أن يكون المؤمِّن على أمان ، ولا يتحقق الأمان في حق المأسور . التفريع على الوجهين : إن قلنا : يصح أمانه ، فلا كلام ، وأمانه كأمان المطلَق ، وإن قلنا : لا يصح أمانه في حق المسلمين ، فهل يصير ملتزماً بحكم الأمان في حق نفسه ، فعلى وجهين : أحدهما - لا يلزمه حكم الأمان ، كما لم ينفذ في حق غيره ؛ فإن الأمان لا ينفذ على الخصوص ( 2 ) . الثاني - أنه ينفذ أمانه عليه في حق نفسه ؛ فإن سبب الرّد في حق الغير أنه مقهور مأسور ، فلا ينفذ أمانه على المطلقين ، ولا يبعد من مقتضى هذا أن يصح إلزامه في حق نفسه . والذي يجب الإحاطة به في تمام ذلك أن المأسور لو أمن من أسره ، فالوجه ألا يصح ذلك ، وجهاً واحداً ، وإنما التردّد الذي حكيناه فيه إذا أمّن من ليس هو أَسَره من آحاد الكفار . وأطلق بعض من لا يعتاد طلب الحقائق ، وجهاً في تصحيح أمانه لآسره إذا أنشأه ولم يُكرَه عليه . وهذا لا أصل له . فانتظم منه أن الإكراه على الأمان يُبطله لا شك فيه ، وإذا لم يكن إكراه ، فأمن غيرَ الآسر ، فعلى الخلاف ، وإن أَمَّن من أسره ، فالمذهب البطلان ، وفيه الوجه الضعيف الذي حكيناه .
--> ( 1 ) في الأصل : " فرعان " . ( 2 ) على الخصوص : يعني من جانب واحد .